الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
220
تفسير روح البيان
أمرنا الذي هو مهاجرة الكفار والمثابرة على الطاعة رَشَداً إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب واهتداء اليه فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ اى حجابا يمنع سماعها اى أنمناهم على طريقة التمثيل المبنى على تشبيه الانامة الثقيلة المانعة عن وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحجب عن الشعور عند النوم لما انها المحتاجة إلى الحجب عادة إذ هي الطريقة للتيقظ غالبا لا سيما عند انفراد النائم واعتزاله عن الخلق والفاء في ضربنا كما في قوله فاستجبنا له بعد قوله إذ نادى فان الضرب المذكور وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال وغير ذلك إيتاء رحمة لدنية خافية عن أبصار المتمسكين بالأسباب العادية استجابة لدعواتهم فِي الْكَهْفِ ظرف مكان لضربنا سِنِينَ ظرف زمان له عَدَداً اى ذوات عدد هي ثلاثمائة وتسع سنين كما سيأتي ووصف السنين بذلك اما للتكثير وهو الأنسب بإظهار كمال القدرة أو للتقليل وهو الأليق بمقام انكار كون القصة عجبا من بين سائر الآيات العجيبة فان مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى ثُمَّ بَعَثْناهُمْ اى أيقظناهم من تلك النومة الثقيلة الشبيهة بالموت وفيه دليل على أن النوم أخو الموت في اللوازم من البعث وتعطيل الحياة والالتحاق بالجمادات لِنَعْلَمَ العلم هنا مجاز عن الاختبار بطريق اطلاق اسم المسبب على السبب وليس من ضرورة الاختبار صدور الفعل المختبر به قطعا بل قد يكون لاظهار عجزه عنه على سنن التكاليف التعجيزية كقوله تعالى فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ وهو المراد هنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم معاملة من يختبرهم أَيُّ الْحِزْبَيْنِ اى الفريقين المختلفين في مدة لبثهم بالتقدير والتفويض كما سيأتي - وروى - عن ابن عباس رضى اللّه عنهما ان أحد الحزبين الفتية والآخر الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك وذلك لان اللام للعهد ولا عهد لغيرهم واى مبتدأ خبره قوله أَحْصى فعل ماض اى ضبط لِما لَبِثُوا اى للبثهم فما مصدرية أَمَداً يقال ما امدك اى منتهى عمرك اى غايته فيظهر لهم عجزهم ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير ويتعرفوا حالهم وما صنع اللّه بهم من حفظ أبدانهم وأديانهم فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه ويستبصروا به امر البعث ويكون ذلك لطفا لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم . والأمد بمعنى المدى كالغاية في قولهم ابتداء الغاية على طريق التجوز بغاية الشيء عنه فالمراد بالمدى المدة كما أن المراد بالغاية المسافة وهو مفعول لا حصى والجار والمجرور حال منه قدمت عليه لكونه نكرة فاحصى فعل ماض هنا وهو الصحيح لا افعل تفضيل لان المقصود بالاختيار اظهار عجز الكل عن الإحصاء رأسا لا اظهار أفضل الحزبين وتمييزه عن الأدنى مع تحقق أصل الإحصاء فيهما قال في التأويلات النجمية أَمْ حَسِبْتَ إشارة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم اى انك ان حسبت أَنَّ أحوال أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا اى من آيات إحساننا مع العبد عَجَباً فان في أمتك من هو أعجب حالا منهم وذلك ان فيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم الذي يأوون اليه بيت الخلوة ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فهم محبي ومحبوبى وألواح قلوبهم مرقومة بالعلوم اللدنية : قال الحافظ